

وثائقي عن حياة الأستاذ النورسي
بعض الناس تستمر حياتهم حتى بعد موتهم وذلك بما أنجزوه من منجزات أو قدموه للإنسانية من خدمات، وسعيد النورسي واحد من هؤلاء، إنه ترك مؤلفات تنقذ الإيمان ويجد المرء نفسه في حاجة مستمرة إليها، ولد سعيد النورسي في إحدى القرى النائية، تقع بين الجبال إنها قرية نورس التي نسب إليها والواقعة جنوب شرقي تركيا والتابعة لمدينة بتليس، عاش مخضرما بين فترة نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين في زمان انهيار الدولة العثمانية وتأسيس الجمهورية، شهد سقوط الدولة العثمانية وتأسيس الدولة العلمانية، وشاهد الحربين العالميتين الأولى والثانية، بل شارك في الأولى في جبهة القتال ضد الروس، وعاش حياته كلها متنقلا بين السجون والمنافي والمحاكم والأسر من مكان إلى مكان، إنه عاش عمرا مديدا مدته 83 سنة حافلة بالأحداث المختلفة، تم تقسيمها في الفيلم الوثائقي إلى ثلاث مراحل: مرحلة سعيد القديم ومرحلة سعيد الجديد ومرحلة سعيد الثالث.
من يذهب إلى مدينة أورفة مدينة الأنبياء، وبالتحديد الساحة التي توجد بها بركة الأسماك يلفت انتباهه ضريح بجانبها يتوسطه قبر لكنه فارغ، من صاحبه يا ترى؟ إنه بديع الزمان سعيد النورسي، لكن أين يرقد الآن؟ إنهم لم يتركوه يستريح حتى في قبره، لم يتركوه لا حيا ولا ميتا، بعد وفاته بثلاثة أشهر نقلوه إلى مكان آخر مجهول فهناك يرقد الآن. هكذا بدأ الفيلم الوثائقي يحكي حياة بديع الزمان العصيبة والمليئة بالمشقات وما عاناه في فترات حياته الثلاث. فيبدأ في سرد هذا العمر بالقول: "يتناول هذا الفيلم حياة بديع الزمان، وذلك لمدة تقارب الثلاث ساعات يقتفي فيها آثاره أينما حل وارتحل ويتتبع مراحل حياته وما عاشه...".
وقد ظهر الفيلم الوثائقي في السوق على شكل "دي في دي" خلال هذا الأسبوع، المخرج يوسف كنعان بيسولان، وكاتب السيناريو جمال الدين جانلي، والأداء ماهر كونشيراي، وفي المؤثرات الصوتية والموسيقى كل من إنجين أرصلان وعائشة أوندير، ويتم التفكير الآن في التعاقد مع إحدى القنوات التركية لبثه فيها وذلك في السنة المقبلة بحول الله.
يقول محمد فرنجي وهو من طلبة الأستاذ: "إنه عمل رائع، أقدر جهود كل من ساهم في هذا الوثائقي وأبارك لهم عملهم الممتاز هذا". العمل الذي استمر لمدة ست سنوات في التصوير وجمع المادة بدون انقطاع يعكس الجهود المبذولة وضخامة العمل، وقد تناول الفيلم الوثائقي حياة بديع الزمان مقسما إياها إلى ثلاث مراحل مبتدئا من ولادته متناولا حياته المتقشفة ومتتبعا بدقة سيرته الحافلة بالأحداث وملقيا الضوء على أفكاره. وبسبب قلةالوثائق والمستندات الموثوقة المتعلقة ببديع الزمان النورسي والمصادر التي تعود إليه سواء الملموسة أو حتى المصورة منها، فقد عمد الفريق إلى استعمال أشرطة تعود للحقبة العثمانية مصورة باللونين الأبيض والأسود ووثائقيات تاريخية تحكي عن تلك الحقبة التاريخية المهمة، أي نهاية الإمبراطورية العثمانية وبدايات الجمهورية التركية وتمت الإستفادة منها، كما تمت الإستفادة أيضا من بعض الوثائق والصور للهيئة التي سافرت مع السلطان رشاد وكان ضمنها سعيد النورسي إلى "روملي" وقد تضمنت الرحلة أيضا معلومات تعرض لأول مرة للجمهور في حوالي ثلاث دقائق تم استحصالها من أرشيف دولة مقدونيا بعد استكتاب دام مدة طويلة.
وقد تم التوصل أيضا إلى عدة وثائق من أرشيف الدولة، من بينها وثائق تخص سجن آفيون وجدت في دفتر سجلات المساجين، وقد كتب أمام اسم سعيد النورسي التهمة الموجهة له وهي: "تشكيل جمعية سرية تحت اسم الدين للقيام بأعمال ضد النظام الحاكم". وفي نفس الصفحة من السجل كتب أسماء باقي المتهمين والتهم التي نسبت إليهم ومنها السرقة، هتك العرض، القتل، خطف فتاة وهكذا.
التوصل إلى شهود جدد:
فيما يتعلق بالشهادات والذكريات فهي تأخذ حيزا واسعا في المشروع، فبالإضافة إلى كل من عبد الله يكين وعبد القادر بادللي ومحمد من طلبة الأستاذ، هناك ربان الطائرة الضابط الذي تولى نقل جثمان سعيد النورسي من أورفة إلى إسبارطة، كان له كلام مفيد جدا عن هذه الحادثة.
كما شهد أيضا علي جاووش ضابط متطوع الذي شارك مع النورسي في جبهة القتال في مدينة بتليس لدى الحرب ضد الروس، فقد شهد على جرح النورسي في جبهة القتال تلك، بل الأكثر من هذا أن شهادته صوتية تنشر لأول مرة مضمنة في هذا الفيلم الوثائقي، بالإضافة أيضا إلى شهادة عائشة أبّا حول الأيام التي عاشها النورسي على ضفاف نهر الفولكا لما كان في روسيا، وكان عمرها في تلك الفترة 12 سنة، ثم الحصول منها على هذه المعلومات سنة 2005 قبل أن تنتقل إلى جوار ربها.
حياة بديع الزمان في جدول أعمال المؤرخ جان دوندار:
كان المؤرخ التركي "جان دوندار" هو أول من فكر في هذا المشروع ثم تخلى عنه لأسباب شخصية، ويقول يوسف كنعان وجمال الدين جانلي منتجا الفيلم: كنا نفكر في إنتاج مشروع عن محمد عاكف وشخصيات تركية أخرى الذين لهم صدى لها صدى في الواقع التركي، وأخيرا وقع اختيارنا على سعيد النورسي، وجوابا على السؤال الذي وجه لهما، فكيف كانت إذن وجهة نظر جماعة النور وماهي أنواع المساعدات التي قدمتها لكم؟ يقول: "فكرة المشروع ومنهجه خاص بنا، لكن جماعة النور متمثلة في مؤسسة إستانبول للثقافة والعلوم ومعهد رسائل النور ساعدتنا، كما استطعنا أن نربط الإتصال بالعديد من طلبة الأستاذ النورسي، فوضعوا أمامنا الوثائق والصور التي كنا في حاجة إليها، واستطعنا أيضا من خلالهم وبفضل تعاونهم معنا أن نتعرف على الشهود والشخصيات التي كانت محور النص وحصلنا منهم على شهادات فيما يخص حياة النورسي.
في هذه الأثناء استطاع جمال الدين جانلي أن يقرأ كليات رسائل النور كاملة وبعض الكتب التي ألفت حول سعيد النورسي، كما سافر إلى المدن التي مر منها الأستاذ النورسي ابتداءا من نورس التابعة لبتليس التي ولد فيها ومنها إلى روسيا التي نقل إليها أسيرا أيام الحرب العالمية الأولى مرورا إلى دنيزلي وأسكي شهر وقسطموني التي نفي إليها. استمرت هذه الأعمال ست سنوات وتم قطع مسافة 40 ألف كيلومتر من الجنوب الشرقي لتركيا إلى ضفاف نهر الفولكا بروسيا، وتمت المحاورة مع أكثر من مائة شاهد، يقول: كنا نود أن نزور كل المدن والقرى التي مر منها النورسي ونلتقي بالشهود ونسجل معهم حوارات ونصور الأماكن التي حل بها وسكن فيها فتحقق لنا الشيء الكثير من ذلك، حيث إن هذا العمل شاق ويتطلب وقتا طويلا وميزانية كبيرة".
ورغم كون المنتج يساري التوجه إلا أنه يضيف قائلا: "لقد رأينا في فكر سعيد النورسي بعض النقط المهمة جدا التي نتلائم معها ونتفق عليها وقريبة منا رغم اختلاف مشربنا، كما أن طريقة تعامله مع بعض المشاكل التي نعاني منها في الواقع والحلول التي قدم لها موافقة تماما للواقع الذي نعيشه. وهذا إن دل على شيء إنما يدل على موسوعية النورسي واستيعابه للكل، فهو لا يخاطب المسلمين فقط وإنما يخاطب الإنسانية كافة. ويضيف قائلا: "في كتابه "المناظرات" يثبت النورسي بجدارة عن علمه الموسوعي وثقافته العالية وقوة شخصيته وشجاعته التي أبهرتنا كثيرا، وحقيقة أعجبت بهذه الشخصية وأفكارها."
ويضيف أيضا: "حاولنا أن نشير إلى كل القضايا التي تهم سعيد النورسي منذ ولادته إلى وفاته، مشيرين إلى أفكاره والطفرات التي عاشها في حياته من سجون ومنافي وتنقلاته من محكمة إلى أخرى. بعد الانتهاء من الفيلم عرضناه على فصائل فكرية مختلفة من النوريين واليساريين والكماليين وغيرهم من الأصناف الفكرية... لمحنا في وجوه الكماليين استغرابا لما حصل، ورأينا منهم تأسفا على الظلم الذي تعرض له والقسوة التي عاملوا بها النورسي، ومن باقي الأصدقاء تلقينا ردودا إيجابية على الموضوعية التي تعامل بها الفيلم الوثائقي مع الموضوع. واكتشفنا فيما بعد أن الناس لا يعرفون النورسي ولا يعرفون الأفكار التي يدعو إليها، بل منهم من يعرفها خطأ، ولذلك يحمل حقدا دفينا نتيجة هذه المعرفة الزائفة ولو عرفوا أفكاره لاحتضنوها ووافقوا عليها للتوّ.
ويضيف المنتج قائلا: "إننا في هذا الفيلم الوثائقي أضفنا الجديد وذلك بالتعريف بعدد لا بأس به من الوثائق التي لم تكن معروفة لدى الناس من قبل، ولم تتح للكل مشاهدة الشهود أيضا إلا في هذا الفيلم. وكل هذه الوثائق وكلام الشهود والإضافات النوعية الأخرى سنجمعها في كتاب ونصدره في شهر أيلول (سبتمبر) المقبل إن شاء الله.
كما يتضمن الفيلم الوثائقي أيضا صورا لسفر سعيد النورسي مع السلطان رشاد إلى روملي ، وتم الحصول على هذه الصور من أرشيف دولة مقدونيا. وكان حينذاك سعيد النورسي ضيفا خاصا عند السلطان فسافر معه.
كما كان ربان الطائرة الضابط الذي حمل نعش بديع الزمان سعيد النورسي من مدينة أورفة إلى مدينة آفيون، والشاهد على تلك الأيام أيضا الضابط عبد القادر أوز قارطال، كما تم الحوار مع الضابط الذي ساهم في دفن النورسي في إسبارطة أحمد جام.