
Trkiye
خديجة النبراوي
تحليل العدالة في الإسلام
والحضارة الغربية
الباحثة: خديجة النبراوي
جمهورية مصر العربية
المقدمة
يتناول هذا البحث شرح مفهوم العدالة في الإسلام والغرب من خلال فكر الإمام
النورسي في رسائل النور حيث أن الفرق بين العدالة في الإسلام والحضارة الغربية
ينبع من الفرق بين المبادئ التي تأسس كل منهما؛ فالحضارة الغربية تأسست على خمسة
أسس سلبية :
فنقطة استنادها هي: القوة، وهذه شأنها: الاعتداء. وهدفها وقصدها: المنفعة، وهذه
شأنها: التزاحم. ودستورها في الحياة : الجدال والصراع، وهذا شأنه: التنازع.
والرابطة التي تربط المجموعات البشرية هي: العنصرية والقومية السلبية التي
تنمو على حساب الآخرين. وهذه شأنها: التصادم، كما نراه.
وخدمتها للبشرية خدمة فاتنة جذابة هي: تشجيع هوى المنفعة، وإثارة النفس
الأمارة، وتطمين رغباتها وتسهيل مطاليبها. وهذا الهوى شأنه: إسقاط الإنسان من درجة
الملائكية إلى درك الحيوانية الكلبية. وبهذا تكون سببًا لمسخ الإنسان
معنويًا.ولأجل هذا فقد دفعت المدنية الحاضرة ثمانين بالمئة من البشرية إلى أحضان
الشقاء وأخرجت عشرة بالمائة منها إلى سعادة مموهة زائفة. وظلت العشرة الباقية بين
هؤلاء وأولئك، علمًا بأن السعادة تكون سعادة عندما تصبح عامة للكل أو للأكثرية؛
بيد أن سعادة هذه المدنية هي لأقل القليل من الناس.
لأجل كل هذا لا يرضى القرآن
الكريم بمدنية لا تضمن سعادة الجميع أو لا تعم الغالبية العظمى.
ثم إنه بتحكم الهوى الطليق
من عقاله، تحولت الحاجات غير الضرورية إلى ما يشبه الضرورية؛ إذ بينما كان الإنسان
محتاجًا إلى أربعة أشياء في حياة البداوة والبساطة؛ إذا به في هذه المدنية يحتاج
إلى مائة حاجة، وهكذا أردته المدنية فقيرًا مدقعًا.ثم لأن السعي والعمل لا يكفيان
لمواجهة المصاريف المتزايدة، انساق الإنسان إلى مزاولة الخداع والحيلة وأكل
الحرام. وهكذا فسد أساس الأخلاق.
وبينما تعطي هذه المدنية
للجماعة والنوع ثروة وغنى وبهرجة، إذا بها تجعل الفرد فقيرًا محتاجًا، فاسد
الأخلاق. ولقد قاءت هذه المدنية وحشية فاقت جميع القرون السابقة.
أما
الحضارة الإسلامية فقد قامت على الأسس الإيجابية التالية :
- أن نقطة استنادها: هي الحق بدلاً من القوة. والحق
من شأنه: العدالة والتوازن. وهدفها : الفضيلة بدلاً من المنفعة، والفضيلة من شأنها
: المحبة والتجاذب.
- أن جهة الوحدة فيها
والرابطة التي تربط بها المجموعات البشرية: الرابطة الدينية، والوطنية، والمهنية
بدلاً من العنصرية. وهذه شأنها: الأخوة الخالصة، والسلام والوئام، والذود عن
البلاد عند اعتداء الأجانب.
- أن دستورها في الحياة :
التعاون بدل الصراع والجدال، والتعاون من شأنه التساند والاتحاد.
- أن تضع الهدى بدل الهوى
ليكون حاكمًا على الخدمات التي تقدم للبشر، وشأن الهدى: رفع الإنسانية إلى مراقي
الكمالات، فهي إذ تحدد الهوى وتحد من النـزعات النفسانية تُطمئن الروح وتشوقها إلى
المعالي(1).
ولذلك فالإمام النورسي يرى :
أن الإسلام وشريعته الغراء
هو المؤثر الحق والمتضمن للعدالة المحضة. ويضع حقوقًا تضمن مصالح الناس كافة،
ويولد الأفكار العامة التي تحول دون دخول مفاسد المدنية إلى حدود حريتنا ومدنيتنا
.. وهو يؤلف قلوب غير المسلمين ويربطهم به أكثر بعدالته المحضة الرحيمة، ويجعل
أجبن شخص وأكثرهم ضعة، أشجع وأرفع إنسان؛ لأنه يعاملهم هكذا، وينفخ فيه الشعور
بالرقي والتضحية، وأهمية حب الوطن، ويخلصنا من السفاهة التي تهدم المدنية، ومن
الحاجيات غير الضرورية، ويبعث فينا النشاط في العمل للدنيا مع تذكر الآخرة
والمحافظة عليها. ويعلمنا الأخلاق المحمودة التي هي حياة المدنية الحقيقية،
ويفهمنا قواعد المشاعر النبيلة(2).
وسنعرض في الأبواب القادمة
نماذج لتطبيق العدالة في كل من النظام الإسلامي وقدرتها على الارتقاء بالإنسان في
جميع مجالات الحياة.
ويشمل البحث ثلاثة أبواب
رئيسية :
الباب الأول : العدالة
السياسية
الباب الثاني : العدالة
الاجتماعية
الباب الثالث: العدالة
الاقتصادية
واللّٰه
الموفق والهادي إلى سواء السبيل
* * *
الباب الأول
العدالة السياسية
يختلف مفهوم العدالة في
النظام الإسلامي عن النظام الغربي اختلافا كبيرا نتيجة اختلاف المنطلق والغاية.
ونعرض نواحي الاختلاف فيما
يلي :
أولا : اختلاف مفهوم عدالة
القوانين في كل من النظامين :
ففي النظام الغربي التضحية
بالأفراد من أجل سلامة الأمة: إن القانون الأساسي للسياسة الغربية هو أن
يفدى بالأشخاص حفاظا على الجماعة، ويرخص كل شيء في سبيل حماية الوطن .. وجميع
الجرائم البشعة التي ارتكبت في البشرية إلى الآن، إنما ترتكب بالاستعمال السيئ
لهذه القاعدة، ولهذا القانون الأساسي؛ فهو ليس له حد معين ولا ضوابط مخصصة، لذا
فقد مهد السبيل للتلاعب باستعماله بكثرة.
إن الحربين العالميتين قد
نشبتا من سوء استعمال هذا القانون، وأبادت نهائيا ما توصلت إليه البشرية من رقي
منذ ألف سنة، لما سمح هذا القانون بأخذ تسعين بريئا بجريرة كاملة لجريمة مجرم واحد
لأغراض شخصية مستترة، تحت اسم المصلحة العامة(3).
على حين في الإسلام : القانون
الأساسي للقرآن العظيم هو :﴿ وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلا
تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ﴾ (الأنعام:164).
حيث لا يؤخذ أحد بجريرة شخص
آخر .. ثم إن البريء لا يُضحى به من أجل جميع الناس دون رضاه، ولكن لو ضحى بنفسه
بإرادته وبرضاه، فتلك مرتبة الشهادة.
ويرى الإمام النورسي أن هذه
القاعدة الجليلة هي التي ترسي العدالة الحقة في البشرية، وتضع سرين عظيمين أمام
نظر الإنسان :
الأول : العدالة المحضة، ذلك الدستور العظيم الذي ينظر إلى الفرد
والجماعة والشخص والنوع، نظرة واحدة، فهم سواء في نظر العدالة الإلهية، مثلما أنهم
سواء في نظر القدرة الإلهية، وهذه سنة دائمة .. إلا أن الشخص يستطيع برغبة من نفسه
أن يضحي بنفسه، من دون أن يضحي به قطعا، حتى في سبيل الناس جميعا؛ لأن إزهاق
حياته، وإزالة عصمته وهدر دمه، شبيه بإبطال حق الناس جميعًا وإزالة عصمتهم جميعا،
وهدر دمائهم جميعا.
والسر الثاني هو : لو قتل مغرور بريئا دون ورع، تحققا لحرصه وإشباعا لنزواته، وهوى رغباته
.. فإنه مستعد لتدمير العالم والجنس البشري إن استطاع، للقضاء على كل شيء يقف دون
تحقيق حرصه(4).
ثانيا : اختلاف النتائج في
تنفيذ القوانين :
يبين الإمام النورسي أن الإسلام يتميز
بالعدالة الحقيقية في تنفيذ القوانين وبالتالي يحقق نتائج إيجابية وأمان في سياسة
الدولة .. ولكي يثبت هذه الحقيقة يورد نموذجًا مصغرًا في حكاية هادفة :
سافر شخص إلى قوم من البدو
في صحراء، فنزل عند رجل فاضل. لاحظ أنهم لا يهتمون بحرز أموالهم، وقد ألقى صاحب
المنزل نقوده في زوايا البيت مكشوفة دون تحفظ. قال الضيف لصاحب المنزل : ألا
تخافون من السرقة؟ تلقون أموالكم هكذا في الزوايا دون تحرز؟ أجابه :
-
لا تقع السرقة فينا!
-
إننا نضع نقودنا في صناديق حديد مقفلة. ومع ذلك كثيرا ما تقع فينا السرقة.
-
إننا نقطع يد السارق كما أمر به اللّٰه تعالى، وعلى وفق ما تتطلبه عدالة
الشريعة.
-
فإذن، كثيرون منكم قد حرموا من إحدى أيديهم!
-
ما رأيت إلا قطع يد واحدة، وقد بلغت الخمسين من العمر.
-
إن في بلادنا يسجن يوميا، ما يقارب الخمسين من الناس بسبب السرقة، ومع ذلك
لا يردعهم ذلك، إلا بواحد من ألف مما تردعه عدالتكم!
-
لقد أهملتم حقيقة عظيمة، وغفلتم عن سر عجيب عريق، لذا تحرمون من حقيقة
العدالة، إذ بدلا من المصلحة الإنسانية، تتدخل فيكم الأغراض الشخصية والمحسوبيات
والتحيز، وما إلى ذلك من الأمور التي تغير طبيعة الأحكام وتحرفها.
وحكمة تلك الحقيقة هي: أن
السارق فينا، في اللحظة التي يمد يده للسرقة، يتذكر إجراء الحد الشرعي عليه، ويخطر
بباله أنه أمر إلهي نازل من العرش الأعظم. فكأنه يسمع بخاصية الإيمان، بأذن قلبه،
ويشعر حقيقة بالكلام الأزلي الذي يقول: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا
أَيْدِيَهُمَا﴾ (المائدة:38). فيهيج عنده ما يحمله من إيمان وعقيدة، وتثار
مشاعره النبيلة، فتحصل له حالة روحية أشبه ما يكون بهجوم يشن من أطراف الوجدان
وأعماقه على ميل السرقة، فيتشتت ذلك الميل الناشئ من النفس الأمارة بالسوء والهوى،
وينسحب وينكمش .. وهكذا بتوالي التذكير هذا يزول ذلك الميل إلى السرقة، إذ الذي
يهاجم ذلك الميل، ليس الوهم والفكر وحدهما، وإنما قوى معنوية من عقل وقلب ووجدان،
كلها تهاجم دفعة واحدة ذلك الميل، زجر سماوي ورادع وجداني فيسكتانه.
الحاصل: أن "الحد"
أو "العقاب" عندما يقام امتثلا للأمر الإلهي والعدل الرباني، فإن الروح
والعقل والوجدان، واللطائف المندرجة في ماهية الإنسان، تتأثر به وترتبط به ..
فلأجل هذا المعنى، أفادتنا إقامة حد واحد طوال خمسين سنة، أكثر من سجنكم في كل
يوم! ذلك لأن عقوباتكم التي تجرونها باسم العدالة، لا يبلغ تأثيرها إلا في وهمكم
وخيالكم .. إذ عندما يقوم أحدكم بالسرقة، يرد إلى خياله العقاب، الذي ما وضع إلا لأجل
مصلحة الأمة والبلاد، ويقول: إن الناس لو عرفوا بأني سارق فسينظرون إلي نظرة
ازدراء وعتاب، وإذا تبين الأمر ضدي، ربما تزجني الحكومة في السجن .. وعند ذلك لا
تتأثر إلا قوته الواهمة تأثرا جزئيا، بينما يتغلب عليه الميل الشديد إلى السرقة،
والنابع من النفس الأمارة والأحاسيس المادية، لاسيما إن كان محتاجا، فلا ينفعه
عقابكم لإنقاذه من ذلك العمل السيء .. ثم لأنه ليس امتثالا للأمر الإلهي، فليس هو
بعدالة، بل باطل وفاسد، بطلان الصلاة بلا وضوء، وبلا توجه إلى القبلة.
أي أن العدالة الحقة،
والعقاب الرادع، إنما يكون إذا أجريت امتثالا للأمر الإلهي. وإلا فإن تأثير العقاب
يكون ضئيلا جدا(5).
ثالثًا :
أهداف الجهاد وبواعثه في كلا النظامين :
يعقد الإمام النورسي مقارنة
بين أسباب الجهاد في كل من النظام الغربي والإسلامي، بما يبين كيف أن العدالة
تتحقق بصورة واضحة في الجهاد الإسلامي حيث لا يهدف إلى سفك الدماء والدمار بل يهدف
إلى إقرار السلام وإعلاء مبادئ الحق قبل كل شيء؛ فيقول :
إن ضلال البشرية، وعنادها
النمرودي، وغرورها الفرعوني، تضخم وانتفش، حتى بلغ السماء ومس حكمة الخلق، وأنزل
من السماوات العلا، ما يشبه الطوفان والطاعون والمصائب والبلايا .. تلك هي الحرب
العالمية الحاضرة. إذ أنزل اللّٰه سبحانه لطمة قوية على النصارى، بل على البشرية
قاطبة؛ لأن أسبابها التي يشترك فيها الناس كلهم: هو الضلال الناشئ من الفكر
المادي، والحرية الحيوانية، وتحكم الهوى.
نعم، لأن هذه الحرب المدمرة،
ليست لأجل إحقاق الحق، وإرساء الحقيقة، ولا لأجل شأن الدين وإقرار العدالة. بل
تستند إلى العناد والعصبية القومية والمصلحة النوعية وإشباع أنانية النفس. فترتكب
مظالم شنيعة ومآسي أليمة لم ير مثيلها في العالم.. والدليل على ذلك: إفناء
الأبرياء من أطفال، وعوائل وشيوخ ومرضى، بالقنابل المدمرة، بحجة وجود جندي أو
اثنين من جنود الأعداء فيما بينهم .. واتفاق أعتى المستبدين من البرجوازيين، مع
الفوضويين والإرهابيين، الذين هم المتطرفون من الاشتراكيين والشيوعيين، وإهدار دماء
ألوف بل ملايين من الأبرياء .. والاستمرار في هذه الحرب الضارة للإنسانية جمعاء ..
ورد الصلح والسلام.
لذا، فإن الإسلام والقرآن
الكريم: بريئان بلا شك من مثل هذه الحروب المدمرة، التي لا تنسجم مع أي قانون كان
من قوانين العدالة، ولا مع الإنسانية، ولا مع أي دستور كان، من دساتير الحقيقة
وقوانين الحقوق ..
وهكذا يبين الإمام النورسي
مبررات الجهاد في الإسلام، كما يبين الواجب على المسلمين، تجاه الحروب التي تشتعل
في أي منطقة من العالم: أي أنه يدعم مبدأ: الحياد الإيجابي والتعايش السلمي. فإذا
انحاز المسلمون إلى جهة، فيجب أن يكون انحيازهم هذا قائما على الحق والعدل،
وتجاوبهم كذلك مع الأحداث العالمية، يجب أن يكون لإرساء الحقيقة وإعلاء شأن الدين.
وإلا فالتعايش السلمي أفضل كثيرا للمسلمين .. على أن يكون هذا كله نابعا من تعاليم
الشريعة الغراء.
ويرى الإمام النورسي: أن
الجهاد فرض على المسلمين لتحقيق العزة والكرامة لهم، إذا تعرضت أراضيهم وأموالهم
وديارهم للاغتصاب. ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى
أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً
وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللّٰه يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة:216). فإن لم يكن الجهاد لتحقيق تلك المعاني السامية،
فالسلام أفضل نظرا لما تكبده الحروب من خسائر مادية ومعنوية تتطلب أن يكون الدافع
إليها، أغلى وأعظم من تلك الخسائر(6).
نماذج
لتطبيق العدالة الخالصة في السياسة الإسلامية :
·
الإمام علي رضي اللّٰه عنه في أيام خلافته يمثل أمام المحكمة مع يهودي
ليتحاكما(7).
·
شاهد أحد مسئولي العدل أن أحد الموظفين احتد وغضب على سارق ظالم وهو يقطع
يده، فأصدر أمره بعزل ذلك الموظف في الحال، وقال آسفا: "من خلط مشاعره
الذاتية بإجراء العدالة فقد اقترف ظلما كبيرا". أجل إن الموظف عندما يقوم
بتنفيذ حكم القانون، إن لم يشفق على المحكوم، فليس له أن يحتد عليه، فإن فعل ذلك
كان ظالما. حتى أن أحد الحاكمين العادلين قال: "إن الشخص الذي يقوم بتنفيذ
قصاص القتل، إن احتد وغضب أثناء ذلك التنفيذ يعد قاتلا"(8).
·
في إحدى الغزوات الإسلامية، كان الإمام علي رضي اللّٰه عنه يبارز أحد فرسان
المشركين، فتغلب عليه الإمام وصرعه. فلما أراد الإمام أن يجهز عليه تفل على وجه
الإمام. فما كان من الإمام إلا أن أخلى سبيله وانصرف عنه. فاستغرب المشرك من هذا
العمل. فقال : إلى أين؟ قال الإمام : كنت أقاتلك في سبيل اللّٰه، فلما فعلت ما
فعلت، خشيت أن يكون قتلي إياك ثأر لنفسي، فأطلقتك للّٰه.
·
فأجابه الكافر : كان الأولى أن تثيرك فعلتي أكثر فتسرع في قتلي! وما دمتم
تدينون بدين هو في منتهى السماحة، فهو بلا شك دين حق(9).
رابعًا : إدانة السياسة
الحاضرة التي تقوم على المفاهيم الغربية :
يرفض الإمام النورسي جميع
السياسات التي لا تقوم على الحق والعدل، ويبين أن أي سياسة لا تستند إلى مبادئ
سامية هي ضياع للبشرية بأسرها .. فيقول: إن جميع المسائل العظمى التي ينهمك
بها أهل الدنيا، إنما تدور ضمن الدستور الظالم، دستور الجدال والصراع، وفي نطاق
الحياة الفانية، بأبشع صورها وأظلمها، حتى يـضحي في سبيلها بالمقدسات الدينية،
حصولا على حطام الدنيا. لذا يلقيهم القدر الإلهي في عذاب جهنم معنوية، من خلال
جرائمهم التي يرتكبونها.
إن السياسة بصفة عامة أغلبها
خداع وأكاذيب .. وهناك احتمال أن يكون الشخص آلة بيد الأجنبي دون أن يشعر. وكذا
فالذي يخوض غمار السياسة، إما أن يكون موافقا للحكومة أو معارضا لها .. وهذا معناه
احتمال الولوج في آلاف من الآثام والأوزار، حيث يبتلي الكثيرون بجريرة شخص واحد،
ويتهم الأبرياء بناء على احتمال أو احتمالين من بين عشرة احتمالات.
إن السياسة الحاضرة الدائرة
رحاها على المنافع، وحش رهيب، فالتودد إلى وحش جائع لا يدر عطفه، بل يثير شهيته،
ثم يعود ويطلب منك أجرة أنيابه وأظفاره.
إنها السياسة التي يأخذ فيها
اللفظ ضد المعنى: حيث الظلم يلبس قلنسوة العدالة، والخيانة ترتدي رداء الحمية بثمن
زهيد، ويطلق اسم البغي على الجهاد في سبيل اللّٰه، ويسمي الأسر الحيواني،
والاستبداد الشيطاني حرية .. وتسبب كلمة واحدة توريط جيش كامل في الحرب، وطلقة
واحدة في إبادة ثلاثين مليون نسمة(10).
وهكذا فالذي يسلك إلى مقصد
طريقا غير مشروع، كثيرا ما يعاقب بخلاف مقصوده .. وإن جزاء محبة مشروعة كمحبة
أوربا، هي عداء غادر من المحبوب.
وينبغي للقوة أن تخدم الحق.
فإن لم تمتزج دساتير الحكمة، ونواميس الحكومة، وقوانين الحق. وقواعد القوة بعضها
ببعض، ولم يستمد كل من الآخر ولم يستند إليه، فلا تكون مثمرة ولا مؤثرة لدى جمهور
الناس. فتهمل شعائر الشريعة وتعطل، فلا يستند إليها الناس في أمورهم ولا يثقون بها(11).
الباب الثاني
العدالة الاجتماعية
يعقد الإمام النورسي مقارنات
سريعة بين دستور الغرب ودستور القرآن العظيم في نهج كل منهما لإقامة الحياة
الاجتماعية على أسس من العدالة، ورغم إيجاز تلك المقارنات، إلا أنها تتسم بالشمول
الذي يدخل تحته دراسات متعددة تبين عظمة الإسلام في تحقيق العدالة الاجتماعية في
أمثل صورة .. وهو ما نسجله فيما يلي :
أولا :
أنانية الغرب وحرصه على المنفعة يتنافى مع العدالة الاجتماعية :
يبين الإمام النورسي أن
المدنية بكل جمعياتها الخيرية، وأنظمتها الصارمة ونظمها الجبارة، ومؤسساتها
التربوية الأخلاقية لم تستطع أن تحقق ما حققه الإسلام من عدالة اجتماعية، وانهارت
أمام مسألتين من القرآن الكريم وهما قوله تعالى :﴿ وَآتُوا الزَّكَاةَ ﴾ (البقرة:43) و﴿ .. وَأَحَلَّ اللّٰه الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ (البقرة:275)
وذلك لأن أساس جميع
الاضطرابات والثورات في المجتمع الإنساني إنما هو كلمة واحدة، كما أن منبع جميع
الأخلاق الرذيلة كلمة واحدة أيضا.
الكلمة الأولى : (إن شبعت، فلا عليّ أن يموت غيري من الجوع).
الكلمة الثانية : (اكتسب أنت، لآكل أنا، واتعب أنت لأستريح أنا).
نعم، أنه لا يمكن العيش
بسلام ووئام في مجتمع إلا بالمحافظة على التوازن القائم بين الخواص والعوام، أي
بين الأغنياء والفقراء، وأساس هذا التوازن هو رحمة الخواص وشفقتهم على العوام،
واطاعة العوام واحترامهم للخواص.
فالآن، إن الكلمة الأولى قد
ساقت الخواص إلى الظلم والفساد، ودفعت الكلمة الثانية العوام إلى الحقد والحسد
والصراع. فسلبت البشرية الراحة والأمان لعصور خلت كما هو في هذا العصر، حيث ظهرت
حوادث أوربا الجسام بالصراع القائم بين العاملين وأصحاب رأس المال كما لا يخفى على
أحد.
فالمدنية بكل جمعياتها
الخيرية ومؤسساتها الأخلاقية وبكل وسائل نظامها وانضباطها الصارم عجزت عن أن تصلح
بين تينك الطبقتين من البشر كما عجزت عن أن تضمد جرحى الحياة البشرية الغائرين.
أما القرآن الكريم فإنه يقلع
الكلمة الأولى من جذورها، ويداويها بوجوب الزكاة. ويقلع الكلمة الثانية من أساسها
ويداويها بحرمة الربا.
نعم، إن الآيات
القرآنية تقف على باب العالم قائلة للربا: الدخول ممنوع. وتأمر البشرية: أوصدوا
أبواب الربا لتنسد أمامكم أبواب الحروب. وتحذر تلاميذ القرآن المؤمنين من الدخول
فيها(12).
ثانيا:
نظرة كل من النظامين إلى تعدد الزوجات :
إن المدنية الحاضرة لا تقبل
تعدد الزوجات، وتحسب ذلك الحكم القرآني مخالفا للحكمة ومنافيا لمصلحة البشر.
نعم، لو كانت الحكمة من
الزواج قاصرة على قضاء الشهوة للزم أن يكون الأمر معكوسا، بينما هو ثابت حتى
بشهادة جميع الحيوانات وبتصديق النباتات المتزاوجة :
إن الحكمة من الزواج والغاية
منه إنما هي التكاثر وإنجاب النسل. أما اللذة الحاصلة من قضاء الشهوة فهي أجرة
جزئية تمنحها الرحمة الإلهية لتأدية تلك المهمة. فمادام الزواج للتكاثر وإنجاب
النسل ولبقاء النوع حكمة وحقيقة، فلا شك أن المرأة التي لا يمكن أن تلد إلا مرة
واحدة في السنة ولا تكون خصبة إلا نصف أيام الشهر وتدخل سن اليأس في الخمسين من
عمرها لا تكفي الرجل الذي له القدرة على الإخصاب في أغلب الأوقات حتى وهو ابن مائة
سنة. لذا تضطر المدنية إلى فتح أماكن العهر والفحش(13).
ثالثا :
قضايا الميراث وأيهما أفضل في تحقيق العدالة :
يتناول الإمام النورسي شرح
الاختلافات الأساسية في مسألتين أساسيتين :
المسألة الأولى : إن المدنية التي لا تتحاكم إلى المنطق العقلي، تنتقد الآية الكريمة ﴿لِلذَّكَرِ
مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ (النساء:11) التي تمنح النساء الثلث من الميراث (أي نصف ما
يأخذه الذكر).
ومن البديهي أن أغلب الأحكام
في الحياة الاجتماعية إنما تسن حسب الأكثرية من الناس، فغالبية النساء يجدن أزواجا
يعيلونهن ويحمونهن، بينما الكثير من الرجال مضطرون إلى اعالة زوجاتهم وتحمل
نفقاتهن.
فإذا ما أخذت الأنثى الثلث
من أبيها (أي نصف ما أخذه الزوج من أبيه) فإن زوجها سيسد حاجتها. بينما إذا أخذ
الرجل حظين من أبيه فإنه سينفق قسطا منه على زوجته، وبذلك تحصل المساواة، ويكون
الرجل مساويا لأخته. وهكذا تقتضي العدالة القرآنية(14).
ثم إن الحكم القرآني رحمة؛
لأن تلك البنت الضعيفة محتاجة كثيرا شفقة والدها، وعطفه عليها، وإلى رحمة أخيها
ورأفته بها. فهي تجد – حسب الحكم القرآني – تلك الشفقة عليها من والدها، وعطفه دون
أن يكدرها حذر. إذ ينظر إليها والدها نظرة من لا يخشى منها ضررا، ولا يقول بأنها
ستكون سببا في انتقال نصف ثروتي إلى الأجانب والأغيار. فلا يشوب تلك الشفقة والعطف
الأبوي الحذر والقلق.
ثم إنها ترى من أخيها رحمة
وحماية لا يعكرها حسد ولا منافسة، إذا لا ينظر إليها أخوها نظر من يجد فيها منافسا
له، يمكن أن تبدد نصف ثروة أبيهما، بوضعها في يد الأجانب. فلا يعكر صفو تلك الرحمة
والحماية حقد وكدر .. فتلك البنت اللطيفة الرقيقة فطرة، والضعيفة النحيفة خلقة،
تفقد في هذه الحالة شيئا قليلا في ظاهر الأمر، إلا أنها تكسب – بدلاً منه – ثروة
لا تفنى من شفقة الأقارب، وعطفهم عليها، ورحمتهم بها. وإلا فإن إعطائها نصيبا أكثر
مما تستحق، بزعم أن ذلك رحمة في حقها، أزيد من رحمة اللّٰه سبحانه، ليس رحمة بها
قط، بل ظلم شنيع في حقها، ربما يفتح سبيلا أمام الحرص الوحشي، المستولي على النفوس
في هذا الزمان، لارتكاب ظلم أشنع يذكر بالغيرة الوحشية التي كانت مستولية على
النفوس، في زمن الجاهلية في وأدهم البنات. فالأحكام القرآنية كلها تصدق – كما يصدق
هذا الحكم – قوله تعالى : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (الانبياء:107).
المسألة الثانية : قوله تعالى : ﴿فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ (النساء:11). إن المدنية (وهي بلا ميم) – أي الدنية – كما قد أصبحت سببا لمثل هذا
التظلم (المذكور في المسألة السابقة) في حق البنات، بإعطائها أكثر مما تستحق. كذلك
تقترف ظلما أدهى وأنكى بحق الوالدات، وذلك بحرمانهن من حقوقهن. من الميراث من
الابن المتوفى .. لكن الشريعة الإسلامية تفرض لهن السدس.
نعم، إن شفقة الوالدة
وحنانها، الذي هو ألطف جلوة من رحمته تعالى، بل ألذها وأجدرها بالاحترام، تعتبر
أسمى وأكرم حقيقة من حقائق الوجود. والوالدة، هي بالذات أكرم صديقة عزيزة وأرحم
مضحية، بل إنها تضحي بدنياها وحياتها لولدها، بدافع من حنانها وعطفها، حتى أن
الدجاجة التي هي في أبسط مراتب الأمومة، وتحمل بصيصا من تلك الشفقة، لا تتردد في
الهجوم على الكلب. والصولة على الأسد، دفاعا عن فراخها، رغم خوفها وجبنها.
فحرمان الوالدة، التي تطوي
جوانحها على مثل هذه الحقيقة العزيزة وإلى هذا الحد، من تركة ولدها، ظلم مريع وعمل
إجرامي، وإهانة بحقها، وكفران نعمة إزاء الحقيقة الجديرة بالتوقير، بحيث تهتز له
عرش الرحمة .. وفوق هذا فهو دس للسم في الترياق النافع لحياة البشر الاجتماعية.
فإن لم يدرك هذا وحوش البشرية الذين يدعون خدمتها، فإن الناس الحقيقيين الكاملين،
يعلمون أن حكم القرآن الحكيم في قوله تعالى : ﴿فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ عين الحق
ومحض العدل(15).
رابعا :
سيادة حرية الهوى يدفع إلى الظلم وانهيار المجتمعات :
يبين الإمام النورسي أن من
متطلبات العدالة الاجتماعية إقامة المجتمع على أسس من الشرف والمبادئ القويمة
فيقول: إن القرآن الكريم مثلما يمنع بشدة عبادة الأصنام يمنع كذلك اتخاذ الصور
التي هي شبيهة بنوع من اتخاذ الأصنام. أما المدنية الحاضرة فإنها تعد الصور من
مزاياها وفضائلها وتحاول أن تعارض القرآن. والحال أن الصور أيا كانت، ظلية أو
غيرها، فهي : إما ظلم متحجر أو رياء متجسد، أو هوى متجسم، حيث تهيج الأهواء وتدفع
الإنسان إلى الظلم والرياء والهوى.
ثم إن القرآن يأمر النساء أن
يحتجبن بحجاب الحياء، رحمة بهن وصيانة لحرمتهن وكرامتهن ولكيلا تهان تلك المعادن
الثمينة معادن الشفقة والرأفة وتلك المصادر اللطيفة للحنان والرحمة تحت أقدام الذل
والمهانة، ولكي لا يكن آلة لهوسات الرذيلة ومتعة تافهة لا قيمة لها.
أما المدنية فإنها قد أخرجت
النساء من أوكارهن وبيوتهن ومزقت حجابهن وأدت بالبشرية أن يجن جنونها. علما أن
الحياة العائلية إنما تدوم بالمحبة والاحترام المتبادل بين الزوج والزوجة. بينما
التكشف والتبرج يزيلان تلك المحبة الخالصة والاحترام الجاد ويسممان الحياة
العائلية؛ ولا سيما الولع بالصور فإنه يفسد الأخلاق ويهدمها كليا، ويؤدي إلى
انحطاط الروح وترديها، ويمكن فهم هذا بالآتي :
كما أن النظر بدافع الهوى
وبشهوة إلى جنازة امرأة حسناء تنتظر الرحمة وترجوها يهدم الأخلاق ويحطها، كذلك
النظر بشهوة إلى صور نساء ميتات أو إلى صور نساء حيات – وهي في حكم جنائز مصغرة
لهن – يزعزع مشاعر الإنسان ويعبث بها ويهدمها(16).
ويبين الإمام النورسي أن
بلادنا لا تقاس ببلدان أوروبا .. ففي تلك الأصقاع الباردة، ولدى أناس باردين، قد
يؤدي التبرج الذي يثير الهوى الحيواني، ويهيج الرغبات الشهوانية، إلى تجاوز
الحدود، مثلما يؤدي إلى الإفراط والإسراف، في أناس حساسين يثارون بسرعة، كما في
المناطق الحارة عندنا. وهذا يؤدي إلى ضعف النسل وانهيار القوى.
ثم إن أهـل المدن لا ينبغي
لهم أن يقلدوا أهل القرى والأرياف في حياتهم الاجتماعية، ويرفعوا الحجاب فيما
بينهم؛ لأن أهل القرى يشغلهم شاغل العيش، وهم مضطرون إلى صرف جهود بدنية قوية لكسب
معيشتهم، وكثيرا ما تشترك النساء في أشغال متعبة، لذا لا يهيج ما قد ينكشف من
أجزاء أجسامهن الخشنة، شهوات حيوانية لذي الآخرين، فضلا عن أنه لا يوجد في القرى
سفهاء عاطلون، بقدر ما هو موجود في المدن. فلا تبلغ مفاسدها إلى عشر ما في
المدينة. لهذا لا تقاس المدن على القرى والأرياف(17).
ويطلق الإمام النورسي صيحته
المدوية عبر الزمان فيقول : إن الحرية المطلقة ما هي إلا الوحشة المطلقة، بل
بهيمية، وتحديد الحرية ضروري من وجهة نظر الإنسانية .. فالحرية الخارجة عن دائرة
الشرع هي استبداد أو أسر بيد النفس الأمارة بالسوء أو بهيمية أو وحشية(18).
ويقول الإمام النورسي :
القرآن الكريم النازل رحمة للعالمين، لا يقبل إلا طرازا من المدنية التي تمنح
السعادة للجميع أو الأكثرية. بينما المدنية الحاضرة قد أطلقت الأهواء والنوازع من
عقالها، فالهوى حر طليق طلاقة البهائم، بل أصبح يستبد، والشهوة تتحكم، حتى جعلتا
الحاجات غير الضرورية في حكم الضرورية.
خامسا :
التمييز العنصري يتنافى كلية مع العدالة الاجتماعية :
يبين الإمام النورسي أن
العدالة التي لا مساواة فيها ليست بعدالة(19)،
ويبين موقف الإسلام من المساواة بين الأجناس ومحاربة التمييز العنصري وذلك عكس
النظام الغربي وهو ما نسجله فيما يلي: قال تعالى في كتابه الكريم ﴿يَا
أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ
شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللّٰه أَتْقَاكُمْ﴾
(الحجرات:13). أي أن الأمة يجب أن تكون قوية متماسكة لا مكان
فيها للتفاضل بين الناس بحسب أصلهم فكلهم لآدم، وآدم من تراب. وسبب التنوع هو:
ليتعارفوا ويتعاونوا ويتحابوا، لا ليتناكروا فيتعاندوا فيتعادوا. إذ كـما أن هناك
روابط تربط الجندي بفصيلته وفوجه ولوائه وفرقته في الجيش، وله واجب ووظيفة في كل
منها، كذلك كل إنسان في المجتمع له روابط متسلسلة ووظائف مترابطة. فلو اختلطت هذه
الروابط والوظائف ولم تعين وتحدد، لما كان هناك تعاون ولا تعارف.
فنمو الشعور القومي في الشخص
إما أن يكون إيجابيا أو سلبيا : فالإيجابي كما في الإسلام ينتعش بنمو الشفقة على
بني الجنس، التي تدفع إلى التعاون والتعارف. أما السلبي كما في الحضارة الغربية
فهو الذي ينشأ من الحرص على العرق والجنس، الذي يسبب التناكر والتعاند. والإسلام
يرفض هذا الأخير(20).
إن التجارب القاطعة أظهرت
لنا: أن الدين حياة للحياة ونورها وأساسها وأن إحياء الدين إحياء لهذه الأمة.
والإسلام هو الذي أدرك هذا. والحروب القادمة بين الدول والشعوب، ستتحول إلى صرعات
أشد ضراوة بين طبقات البشر. لأن الإنسان لم يرض في أدواره التاريخية بالأسر، بل
كسر الأغلال بدمه. ولكن الآن أصبح أجيرا يتحمل أعباءه وسيكسرها يوما ما(21).
وكل هذا بسبب عدم المساواة
في الحقوق المدنية نتيجة المدنية الحاضرة ونظامها الفاسد.
وعن سؤال وجه إلى الشيخ :
كيف نتساوى مع غير المسلمين؟
أجاب الشيخ: المساواة ليست
في الفضيلة والشرف، بل هي في الحقوق .. فالسلطان الملك، والفقير المسكين، كلاهما
سيان في الحقوق .. فيا للعجب إن الشريعة التي نهت عن تعذيب نملة، وأمرت ألا تداس
عمدا، أتهمل حقوق بني آدم؟ كلا! ولكن نحن الذين لم نمتثل للشريعة، ألا يكفي لتصحيح
خطئكم هذا، محاكمة أمير المؤمنين الإمام على رضي اللّٰه عنه مع يهودي فقير ..
ومرافعة صلاح الدين الأيوبي – وهو مدار فخركم – مع نصراني مسكين؟!(22)
ويستنكر الإمام النورسي
التفرقة العنصرية فيقول :
- لقد نظرت – منذ السابق –
إلى القومية السلبية والدعوة إلى العنصرية نظرة السم القاتل، لأنها مرض أوروبي
خبيث سار. وذلك حسب الأمر النبوي الجازم: بأن الإسلام يجب العصبية الجاهلية. ولقد
ألقت أوروبا بذلك المرض الوبيل بين المسلمين، ليمزقهم ويفرقهم شذر مذر، ليسهل
عليها ابتلاعهم قطعا متناثرة. كما فعل فرعون مع قومه. ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي
الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ
أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ (القصص:4).
- ولقد بذلت ما وسعني الجهد
لعلاج هذا الداء الخبيث، ويشهد طلابي ومن له علاقة معي بذلك.
- لقد ظهرت
أضرار النعرة القومية والعنصرية في عهد الأمويين
كما فرقت الناس شر فرقة في بداية
عهد الحرية وإعلان الدستور، حيث تأسست النوادي والتكتلات، كما استغلت إثارة النعرة
القومية – مجددا – للتفريق بين الأخوة العرب النجباء، وبين الأتراك المجاهدين، فعم
الاضطراب وسلبت راحة الناس.
- علما أن
الإضرار بالناس بأعمال سلبية، هو فطرة القومية والعنصرية، التي فطر عليها الغرب.
والأتراك مسلمون في أنحاء العالم كافة، فقوميتهم مزجت بالإسلام، لا يمكن فصلهم
عنه. فالتركي يعني المسلم، حتى أن غير المسلمين منهم لا يكون تركيا. وكذلك العرب،
فإن قوميتهم مزجت بالإسلام أيضًا وينبغي هكذا. فقوميتهم الحقيقية هي الإسلام وهو
حسبهم. ألا إن العنصرية ودعوى القومية خطر عظيم(22).
سادسًا :
نتائج القومية السلبية وأضرارها :
لقد انتشر الفكر القومي
وترسخ في هذا العصر. ويثير ظالمو أوروبا، الماكرون بخاصة، هذا الفكر بشكله السلبي
في أوساط المسلمين، ليمزقوهم ويسهل لهم ابتلاعهم. ولما كان في الفكر القومي ذوق
للنفس، ولذة تغفل، وقوة مشؤومة، فلا يقال للمشتغلين بالحياة الاجتماعية في هذا
الوقت : دعوا القومية!
ولكن القومية نفسها على
قسمين :
قسم منها
إيجابي ينبع من حاجة داخلية للحياة
الاجتماعية، وهي سبب للتعاون والتساند وتحقق قوة نافعة للمجتمع وتكون وسيلة لإسناد
أكثر للأخوة الإسلامية.
وقسم منها سلبي مشؤوم مضر، يتربى وينمو بابتلاع الآخرين، ويدوم
بعداوة من سواه، ويتصرف بحذر. وهذا يولد المخاصمة والنزاع. ولهذا ورد في الحديث
الشريف "أن الإسلام يجب ما قبله" ويرفض العصبية الجاهلية. وأمر القرآن
الكريم بـ ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ
حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللّٰه سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى
الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا
وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللّٰه بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً﴾ (الفتح:26). فهذه الآية الكريمة والحديث الشريف يرفضان رفضا قاطعا القومية السلبية
وفكر العنصرية. لأن الغيرة الإسلامية الإيجابية المقدسة لا تدع حاجة إليها.
ترى أي عنصر في العالم
تعداده ثلاثمائة وخمسون مليونا، ويكسب فكر المرء – بدل الإسلام – هذا العدد من
الإخوان، بل إخوانا خالدين؟
ولقد ظهرت طوال التاريخ
أضرار كثيرة، نجمت عن القومية السلبية، نذكر منها :
- أن الأمويين خلطوا شيئا من
القومية في سياساتهم، فأسخطوا العالم الإسلامي، فضلا عما ابتلوا ببلايا كثيرة من
جراء الفتن الداخلية.
- وكذلك شعوب أوروبا، لما
دعوا إلى العنصرية، وأوغلوا فيها في هذا العصر. نجم العداء التاريخي، الملئ
بالحوادث المريعة بين الفرنسيين والألمان، كما أظهر الدمار الرهيب الذي أحدثته
الحرب العالمية، مبلغ الضرر الذي يلحقه هذا الفكر السلبي للبشرية.
- وكذلك الحال فينا، ففي
بداية عهد الحرية (أي إعلان الدستور) تشكلت جمعيات مختلفة للاجئين، وفي المقدمة
الروم والأرمن، تحت أسماء أندية كثيرة، وسببت تفرقة القلوب – كما تشتت الأقوام
بانهدام برج بابل، وتفرقوا أيدي سبأ في التاريخ – حتى كان منهم، من أصبح لقمة
سائغة للأجانب، ومنهم من تردىوضل ضلالا بعيدا.
كل ذلك يبين نتائج القومية
السلبية وأضرارها.
أما الآن فإن التباغض
والتنافر بين عناصر الإسلام وقبائله – بسبب من الفكر القومي – هلاك عظيم، وخطب
جسيم، إذ أن تلك العناصر أحوج ما يكون بعضهم لبعض، لكثرة ما وقع عليهم من ظلم
وإجحاف، ولشدة الفقر الذي نزل بهم ولسيطرة الأجانب عليهم، كل ذلك يسحقهم سحقا؛ لذا
فإن نظر هؤلاء بعضهم لبعض، نظرة العداء، مصيبة كبرى لا توصف، بل إنه جنون، أشبه ما
يكون بجنون من يهتم بلسع البعوض ولا يعبأ بالثعابين الماردة التي تحوم حوله.
نعم، إن أطماع أوروبا التي
لا تفتر ولا تشبع، هي كالثعابين الضخمة الفاتحة أفواهها للابتلاع. لذا فإن عدوى
الاهتمام بهؤلاء الأوروبيين، بل معاونتهم معنى بالفكر العنصري السلبي، وإنماء روح
العداء إزاء المواطنين القاطنين في الولايات الشرقية، أو إخواننا في الدين في
الجنوب، هلاك وأي هلاك وضرر وبيل.
إذ ليس بين أفراد الجنوب من
يستحق أن يعادي حقا، بل ما أتى من الجنوب إلا نور القرآن وضياء الإسلام، الذي يشع
نوره فينا وفي كل مكان.
فالـعداء لأولئك الإخوان في
الدين، وبدوره العداء للإسلام، إنما يمس القرآن، وهو عداء لجميع أولئك المواطنين،
ولحياتهم الدنيوية والأخروية(23).
الباب الثالث
العدالة الاقتصادية
يتناول الإمام النورسي
العدالة الاقتصادية في النظام الإسلامي من وجهة نظر إنسانية حيث يتحقق إشباع
الحاجات الأساسية لكل أبناء الأمة بطريقة عادلة .. أما في النظام الغربي فإن إشباع
الحاجات يتوقف على الأهواء والقدرة المالية، وهو ما لا يتحقق معه العدالة المطلوبة
.. كذلك فإن العدالة لا تتحقق في الإنتاج أو توزيع الثروات، وهو ما نعرضه فيما يلي
:
أولا : العدالة في الاستهلاك
:
إن النظرية الغربية : تدرس
الرشد الاستهلاكي من ناحية المنفعة الحدية، والمقارنة بينها وبين الألم الحدي الناتج
من الإنفاق. أو بين الإشباع الممكن تحقيقه في حدود الدخل المتاح مع تشجيع
الاستهلاك الترفي إلى أقصى حد .. وبناء على ذلك فإن المدنية الحاضرة الغربية،
لسلوكها طريقا مناقضا لأسس دساتير السماء، وقيامها بمناهضتها، فقد أوقعت البشرية
في فقر مدقع، وضاعفت من حاجاتها ومتطلباتها، وهي تتمادى في تهييج نار الإسراف
والحرص والطمع، بعد أن قوضت أساس الاقتصاد والقناعة، وفتحت أمامها سبل الظلم
وارتكاب المحرمات. زد على ذلك أنها ألقت بذلك الإنسان المحتاج المسكين، وهكذا بددت
الشوق لديه إلى السعي والعمل، فأضاع الإنسان عمره الثمين سدى باتباعه هوى المدنية الحاضرة، وبسيره وراء
سفاهتها ولهوها.
لقد كان البشر في عهد
البداوة تعوزهم ثلاثة أو أربعة أشياء، وكان اثنان من كل عشرة أشخاص، يعجزان عن
تدارك تلك الأشياء الثلاثة أو الأربعة .. بينما في الوقت الحاضر، تحت سطوة المدنية
الغربية المستبدة المتميزة بإثارة سوء الاستعمال، والدفع إلى الإسراف، وتهييج
الشهوات، وإدخال الحاجات والمطالب غير الضرورية في حكم المطالب والحاجات الضرورية،
فقد أصبح الإنسان العصري من حيث حب التقليد والإدمان، مفتقرا إلى عشرين حاجة بدلا
من أربع منها ضرورية. وقد لا يستطيع إلا شخصان، من كل عشرين شخص، أن يلبوا تلك
الحاجات العشرين، من مصدر حلال بشكل مباح. ويبقى الآخرون الثمانية عشر محتاجين
وفقراء ..
فهذه المدنية الحاضرة إذن
تجعل الإنسان فقيرًا جدا ومعوزا دائما. ولقد ساقت البشرية – من جهة تلك الحاجة –
إلى مزيد من الكسب الحرام، وإلى ارتكاب أنواع من الظلم والغبن، وشجعت طبقة العوام
المساكين، على الصراع والتخاصم المستمر مع الخواص، وذلك بهجرها القانون الأساسي
الذي سنه القرآن الكريم، القاضي بوجوب وتحريم الربا، والذي يحقق بواسطتها توقير
العامة للخاصة، ويوفر بهما شفقة الخاصة على العامة.
فبهجرها ذلك القانون
الأساسي، أرغمت البرجوازيين على ظلم الفقراء وهضم حقوقهم، وأجبرت الفقراء على
العصيان والتمرد في معاملتهم معهم. فدمرت البشرية وراحتها وأمنها واطمئنانها،
وجعلته أثرا بعد عين(24).
أما في النظرية الإسلامية :
فإن الرشد الاستهلاكي ينبع من مدى الامتثال لأوامر الشريعة ومجاهدة رغبات النفس وشهواتها والتفاعل مع
أحاسيس الفقراء، وإيثار الغير على النفس حتى يقترب الجميع من حد الكفاية، وفي حالة
المجاعات. يتساوون في حد الكفاف. فليس من المسلمين من بات شبعان وجاره جوعان.
أي أن الرشد الاستهلاكي في
الإسلام يحقق الأهداف التالية :
- الرشد الاستهلاكي يحقق الربح المعنوي والمادي : إن الخالق الرحيم سبحانه، يطلب من البشرية شكرا
وحمدا إزاء ما أغدق عليها من النعم والآلاء، إلا أن الإسراف مناف للشكر واستخفاف
خاسر وخيم تجاه النعمة، بينما الاقتصاد توقير مربح إزاء النعمة.
أجل إن
الاقتصاد كما هو شكر معنوي، فهو توقير للرحمة الإلهية الكامنة في النعم والإحسان
.. وهو سبب حاسم للبركة والاستكثار .. وهو مدار صحة الجسد كالحمية .. وهو سبيل إلى
العزة بالابتعاد عن ذل الاستجداء المعنوي .. وهو وسيلة قوية لإحساس ما في النعم
والآلاء من لذة .. وهو سبب متين لتذوق اللذائذ المخبأة في ثنايا نعم تبدو غير
لذيذة .. ولكون الإسراف يخالف الحكم المذكورة آنفا، باتت عواقبه وخيمة.
- الرشد الاستهلاكي يحقق عدم الاحتياج للمعونات
والقروض الأجنبية :
إن المقتصد لا يعاني فاقة
العائلة وعوزها، كما هو مفهوم الحديث الشريف "لا يعول من اقتصد"(25). أجل إن هناك من الدلائل القاطعة التي
لا يحصرها العد، بأن الاقتصاد سبب جازم لإنزال البركة، وأساس متين للعيش الأفضل.
نعم إن من لا يقتصد، مدعو
للسقوط في مهاوي الذلة، ومعرض للانزلاق إلى الاستجداء والهوان معنى.
- الرشد الاستهلاكي يحافظ على الكرامة والمقدسات
الدينية : إن المال الذي يستعمل في الإسراف في زماننا هذا
لهو مال غال وباهظ جدا، حيث تدفع أحيانا الكرامة والشرف ثمنا ورشوة له، بل قد تسلب
المقدسات الدينية، ثم يعطي نقودا منحوسة مشؤومة، أي يقبض بضعة قروش من نقود مادية،
على حساب مئات الليرات من النقود المعنوية. بينما لو اقتصر الإنسان على الحاجات
الضرورية، واختصرها وحصر همه فيها، فسيجد رزقا يكفل عيشه من حيث لا يحتسب، وذلك
بمضمون الآية الكريمة: ﴿إِنَّ اللّٰه هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾
(الذريات:58). وأن صراحة الآية الكريمة: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ
فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللّٰه رِزْقُهَا﴾ (هود:6).
تتعهد بذلك قاطعا(26).
ويعتبر الإمام النورسي أن
الإسراف يعني الظلم وعدم تحقيق العدالة في المجتمعات فيقول: فعلام تستند وتثير غضب
الموجودات كلها عليك فتقترف الظلم والإسراف ولا تكترث للموازنة والنظافة؟
نعم، إن
الحكمة العامة المهيمنة في الكون والتي هي تجل أعظم لاسم "الحكيم" إنما
تدور حول محور الاقتصاد وعدم الإسراف، بل تأمر بالاقتصاد. وإن العدالة العامة
الجارية في الكون النابعة من التجلي الأعظم لاسم "العدل" إنما تدير
موازنة عموم الأشياء، وتأمر البشرية بإقامة العدل.
وإن ذكر الميزان أربع مرات
في سورة الرحمن إشارة إلى أربعة أنواع من الموازين في أربع مراتب وبيان لأهمية
الميزان البالغة ولقيمته العظمى في الكون. وذلك في قوله تعالى : ﴿وَالسَّمَاءَ
رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ وَأَقِيمُوا
الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ (الرحمن7 :9).
نعم، فكما لا إسراف في شيء،
فلا ظلم كذلك ظلما حقيقيا في شيء، ولا بخس في الميزان قط، بل إن التطهير والطهر
الصادر من التجلي الأعظم لاسم "القدوس" يعرض الموجودات بأبهى صورتها
وأبدع زينتها، فلا ترى ثمة قذارة في موجود، ولا تجد قبحا أصيلا ما لم تمسه يد
البشر الوسخة.
فاعلم من هذا أن
"العدالة والاقتصاد والطهر" التي هي من حقائق القرآن ودساتير الإسلام،
ما أشدها إيغالا في أعماق الحياة الاجتماعية، وما أشدها عراقة وأصالة. وأدرك من هذا
مدى قوة ارتباط أحكام القرآن بالكون، وكيف أنها مدت جذورا عميقة في أغوار الكون
فأحاطته بعرى وثيقة لا انفصام لها. ثم افهم منها أن إفساد تلك الحقائق ممتنع
كامتناع إفساد نظام الكون والإخلال به وتشويه صورته(27).
ثانيا : عدالة الانتاج :
يوضح الإمام النورسي أن ما
أنجزته هذه المدنية الحاضرة من خوارق – في ساحة العلم – نعم ربانية تستدعي شكرا
خالصا من الإنسان، على ما أنعم اللّٰه عليه، وتقتضي منه كذلك استخداما ملائما لها،
لفائدة البشرية ومنفعتهم. بيد أننا نرى الآن خلاف ذلك، إذ تقود الناس إلى موارد
الكسل والسفاهة، وتزكي نار الأهواء النفسانية، وتثير كوامن النزعات الشهوانية،
فتقعد الإنسان عن الكد والسعي، وتثنيه عن الشوق إلى العمل.
وبهذا نرى معظم الدول
الإسلامية، تملك مصادر الثروة الاقتصادية التي تمكنها من تحقيق التقدم، ولكنها
نتيجة الكسل عن استغلالها، انبهارا بمظاهر المدنية الحديثة واتباعا للشهوات، أصبحت
تعيش حالة التخلف، وتخضع لجميع الضغوط الأجنبية، للحصول على لقمة العيش الأساسية،
وهذا ما تأباه الشريعة الإسلامية، التي جاءت بمبادئها السامية، لتحقق السعادة
الدنيوية والأخروية للبشرية(28).
1- من عدالة الإنتاج تحريم
الربا: لأن الربا يعني زيادة سلطان رأس المال على حساب
العمل، فلا تتحقق العدالة الاقتصادية المطلوبة لذلك يقول الإمام النورسي:
إن معدن جميع أنواع الاضطرابات والقلاقل والفساد، ومحرك جميع أنواع السيئات
والأخلاق الدنيئة، منبعها كلمتان اثنتان أو جملتان فقط :
الكلمة الأولى: إذا شبعت أنا، فمالي إن مات غيري من الجوع.
الكلمة الثانية: تحمل أنت المشاق لأجل راحتي، اعمل أنت لآكل أنا.
لك المشقة وعلي الأكل.
لقد انـقطعت صلة الرحم بين
طبقة الخواص والعوام. فانطلقت من العوام أصداء الاضطرابات وصرخات الانتقام، ونفثات
الحسد والحقد. ونزلت من الخواص على العوام نار الظلم والإهانة وثقل التكبر ودواعي
التحكم. بينما ينبغي أن يصعد من العوام: الطاعة والتودد والاحترام والانقياد، بشرط
أن ينزل عليه من الخواص: الإحسان والرحمة والشفقة والتربية.
فإن أرادت البشرية دوام
الحياة فعليها أن تستمسك بالزكاة وتطرد الربا؛ إذ إن عدالة القرآن واقفة بباب
العالم وتقول للربا: " ممنوع لا يحق لك الدخول ارجع!"؛ لذا فعلى البشرية
قتل جميع أنواع الربا إن كانت تريد الحياة(29).
إن أبواب الربا ووسائطه، هذه البنوك، إنما تعود بالنفع إلى أفسد البشر وأسوأهم وهم
الكفار .. وإلى أسوأ هؤلاء وهم الظلمة، وإلى أسوأ هؤلاء وهم أسفههم.
إن الربا يسـبب العطل ويطفئ
جذوة الشوق إلى السعي وأشد الناس شقاءً واضطرابا ضيقا هو العاطل عن العمل، لأن
العطل هو "عدم"ضمن الوجود، أي موت ضمن حياة.أما الســعي فهو حياة الوجود
ويقظة الحياة(30).
2 - من عدالة الإنتاج: ضرورة العمل لاستغلال مصادر الثروة الاقتصادية الاستغلال الأمثل :
يقول الإمام النورسي: إن
المدنية الغربية الحاضرة لا تلقي السمع كليا على الأديان السماوية، لذا وقعت
البشرية في فقر مدقع، وضاعفت من حاجاتها ومتطلباتها، وهي تتمادى في تهييج نار
الإسراف والحرص والطمع عندها، بعد أن قوضت أساس الاقتصاد والقناعة، وفتحت أمامها
سبل الظلم وارتكاب المحرمات. زد على ذلك أنها ألقت بذلك الإنسان المحتاج المسكين
في أحضان الكسل والتعطيل المدمر، وبددت لديه الشوق إلى السعي والعمل.
وهكذا ولدّت المدنية في
الإنسان أمراضا وأسقاما عدة، نتيجة تعدد الحاجات، وفي نفس الوقت ضعف الإنتاج،
للكسل عن استغلال مصادر الثروة الاقتصادية وسوء الاستعمال والإسراف؛ ففضلا عن هذه
العلل الثلاثة التي ولدتها المـدنية وهي: الحاجة الماسة، والميل إلى السفاهة،
وانتشار مئات الأوبئة والأمراض .. فإنه بتفشي الإلحاد، وتوغله فيها، استيقظت
البشرية من غفوتها، وإذا بالمدنية تهددها باستمرار، بإظهار الموت تجاهها إعداما
أبديا، فجرعتها نوعا من عذاب جهنم في الدنيا(31).
أما الإسلام : فقد علم
تلاميذه المخلصين كيف يستثمرون موارد الثروة الاقتصادية من أرض وبحار وجبال
وسماوات، بالسعي الجاد المخلص.. وقد بين الإمام النورسي كيف أن المسلم كلما سعى في
مجالات الحياة المختلفة، كلما ازداد يقينا باللّٰه، لأنه يرى تجلي عظمة الخالق في
كل مجال من هذه المجالات، وقدرته التي لا تحدها حدود، ولا تقيدها قيود.
إن العمل في الإسلام فرض عين
على كل مسلم ومسلمة، كل في موقعه، وأمانته التي أوكله اللّٰه بها، حتى أن اللّٰه
قد قرن الإيمان بالعمل في كل آيات القرآن الكريم .. لأن إيمان بلا عمل هو جسد بلا
روح، وحياة بلا أهداف أو ملامح محددة. فكيف تستقيم حياة أمة مع وقف تنفيذ
الإرادة؟! وكيف تستقيم حضارة بلا إيمان؟
﴿وَعَدَ اللّٰه الَّذِينَ
آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ
كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ
الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي
لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ
الْفَاسِقُونَ﴾ (النور:55).
3- من عدالة الإنتاج : قيام التكتلات الاقتصادية على أهداف نبيلة :يدعو الإمام النورسي إلى قيام
تكتلات اقتصادية بين المسلمين على أساس من الأهداف النبيلة لتحقيق العدالة
الاقتصادية والمنافع الجليلة .. أما التكتلات الاقتصادية القائمة في الغرب من أجل
الحصول على الثروة والقوة فقط فإن ضررها عظيم حيث تؤدي إلى الاحتكار وتجويع الشعوب
وزيادة نفوذ رأس المال فيقول:
لقد اتخذ أرباب الدنيا
"الاشتراك في الأموال" قاعدة يسترشدون بها، لأجل الحصول على ثروة طائلة
أو قوة شديدة، بل اتخذ من لهم التأثير في الحياة الاجتماعية – من أشخاص أو جماعات
وبعض الساسة – هذه القاعدة رائدا لهم. ولقد كسبوا نتيجة اتباعهم هذه القاعدة، قوة
هائلة، وانتفعوا منها نفعا عظيما رغم ما فيها من أضرار واستعمالات سيئة، ذلك لأن
ماهية الاشتراك لا تتغير بالمساوئ والأضرار التي فيها، لأن كل شخص – وفق هذه
القاعدة – يحسب نفسه بمثابة المالك لجميع الأموال. وذلك من زاوية مشاركته في
المال، ومن جهة مراقبته وإشرافه عليه، برغم أنه لا يمكنه أن ينتفع من جميع
الأموال. وعلى كل حال فإن هذه القاعدة إذا دخلت في الأعمال الأخروية، فستكون محورا
لمنافع جليلة بلا مساوئ ولا ضرر. لأن جميع تلك الأموال الأخروية، تحمل سر الدخول
بتمامها، في حوزة كل فرد من أولئك الأفراد المشتركين فيها، دون نقصان أو تجزئة·.
ويقول الإمام النورسي :
إن معنى إيمان المرء أن الرزق بيد اللّٰه، لا يعني التواكل من المسلم، بل عليه
السعي الجاد المخلص في الحياة، لاستغلال مصادر الثروات التي وهبها اللّٰه للشعوب
الإسلامية؛ لأن الرزق نوعان :
الأول: الرزق الحقيقي والفطر
للمعيشة، الذي هو تحت التعهد الرباني، وهو مقدر بحيث أن المدخر منه في الجسم بصورة
دهون أو بصور أخرى، يمكنه أن يعيّش الإنسان، ويديم حياته أكثر من عشرين يوما، دون
أن يذوق طعاما. فالذين يموتون جوعا في الظاهر قبل عشرين أو ثلاثين يوما، من دون أن
ينفد رزقهم الفطري، لا ينشأ موتهم من انعدام الرزق، بل من مرض ناشئ من سوء التعود
ومن ترك العادة.
والقسم الثاني من الرزق : هو
الرزق المجازي والاصطناعي، الذي يكون بحكم الضروري، بعد أن يدمن الإنسان عليه
بالتعود والإسراف وسوء الاستعمال. وهذا القسم ليس ضمن التعهد الرباني وتكلفه، بل
هو تابع إلى إحسانه سبحانه. فإما أن يمنحه أو يمنعه.
فالسعيد – في هذا الرزق
الثاني – والمحظوظ فيه، هو من يعلم أن السعي الحلال بالاقتصاد والقناعة – وهما
مدارا السعادة واللذة – هو نوع من العبادة، وهو دعاء فعلي لكسب الرزق، لذا يقضي
هذا السعيد حياته بهناء، ويقبل ذلك الإحسان شاكرا ممتنا.
والشقي التعس في هذا الرزق،
هو من يتخلى عن السعي الحلال بالإسراف والحرص – وهما سبب الشقاء والخسارة واللم –
فيقضي حياته بل يهلكها، بطرق كل باب بالكسل والتظلم والتشكي.
فكما أن الخالق القدير
الحكيم : قد خلق الحياة خلاصة جامعة مستخلصة من الكائنات، يحشد فيها مقاصده العامة
وتجليات أسمائه الحسنى. كذلك جعل الرزق في عالم الحياة مركزا جامعا للشئون
الربانية، خالقا في ذوي الحياة غريزة الاشتهاء وتذوق الرزق، ليفسح بذلك المجال
لأهم غاية لخلق الكائنات وحكمتها، وهي جعل المقابل في شكر ورضى دائمين وكليين،
يتمان بكل خضوع وعبودية تجاه ربوبيته وتودده سبحانه.
فمثلا : أنه سبحانه قد عمر
كل طرف من أطراف المملكة الربانية الواسعة جدا، فعمر السماوات بالملائكة
والروحانيين، وعمر عالم الغيب بالرواح ن كما عمر العالم المادي – لحكمة بث الروح
وإضفاء البهجة فيه، وبخاصة عالم الهواء والأرض، بل كل جهة منه وفي كل وقت وأوان –
بوجود الأحياء، وبخاصة الطيور والطويرات والحشرات. فغرز الاحتياج للرزق وتذوقه في
الحيوانات والإنسان، وجعلهم يسعون دوما وراء رزقهم. وكأن ذلك الاحتياج سوط تشويق
لهم، يسوقهم ويحركهم ويجريهم وراء الرزق، منتشلا إياهم من الكسل والعطالة، وما ذلك
إلا حكمة من حكم الشؤون الربانية. ولولا أمثال هذه الحكمة من الحكم المهمة، لكان
سبحانه يجعل التعيينات المقننة للحيوانات تسعى إليها، دون كد وعناء، ولحاجة فطرية،
كما جعل أرزاق النباتات تسعى إليها هكذا(32).
ولذا يرجع الإمام النورسي
تخلف المسلمين إلى سببين رئيسيين هما: الأول: الفتور في السعي، والثاني:
عدم الرغبة خلافا لما هو مستفاد من الأمر الرباني : ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ
إِلَّا مَا سَعَى﴾ (النجم:39) وانطفاء جذوة شوق الكسب المستفاد من الأمر النبوي
بأن (الكاسب حبيب اللّٰه)(33)
وذلك نتيجة إيحاءات بعض الرجال وتلقينات قسم من الوعاظ الجاهلين، أولئك لم يدركوا
أن إعلاء كلمة اللّٰه في الوقت الحاضر يتوقف على الرقي المادي ... ولم يتفهموا
قيمة الدنيا [من حيث هي مزرعة الآخرة] .. ولم يميزوا بين متطلبات القرون الوسطى
والقرون الأخرى .. ولم يفرقوا بين قناعتين بعيدتين عن بعضهما "القناعة في التحصيل
والكسب" وهي المذمومة والقناعة في المحصول والأجرة، وهي الممدوحة .. ولم
يتبينوا البون الشاسع بين "التواكل" الذي هو عنوان الكسل
و"التوكل" الذي هو صَدَفَة الإخلاص الحقيقي.
فالأول: هو تكاسل في ترتيب
المقدمات وهو في حكم التمرد على النظام القائم بين الأسباب التي هي مقتضى مشيئة
اللّٰه تعالى. والآخر : هو توكل إيماني في ترتُّب النتائج، وهو من مقتضيات
الإسلام، والذي يقود صاحبه إلى التوفيق حتى في النتائج شريطة عدم التدخل في
التقديرات الإلهية.
فالتبس عليهم كلا الأمرين
... ولم يتفرسوا سرّ (أمتّي .. أمتّي)(34)
ولا يفهمون حكمة (خير الناس أنفعهم للناس) فهؤلاء هم الذين حطموا ذلك الميل
وأطفأوا ذلك الشوق ...
والسبب الثاني : هو سلوكنا
في المعيشة مسلكا غير طبيعي، مسلكا يوافق الكسل ويلائمه، ويداعب الغرور ويربت
عليه، وهو المعيشة على الوظيفة الحكومية .. لذا لقينا جزاء ما كسبت أيدينا(35).
ثالثا : عدالة توزيع الثروات
:
يرى الإمام النورسي أن
الإنسان لا يعيش عيش الحيوانات، ولا يسعه ذلك، فهو محتاج إلى تحصيل حاجاته في
مأكله وملبسه ومسكنه، وإلى تلطيفها وإتقانها بصنائع جمة، لا يقتدر هو بانفراده
عليها كلها، ولهذا احتاج إلى الامتزاج مع أبناء جنسه، ليتشاركوا فيتعاونوا، ثم
يتبادلوا ثمرات سعيهم. ولكن لتجاوز قوى الإنسانية على الآخرين – بسر عدم التحديد –
تحتاج الجماعة إلى العدالة في تبادل ثمرات السعي .. ثم لأن عقل كل واحد لا يكفي في
درك العدالة، احتاج النوع إلى وضع قوانين كلية .. ثم لمحافظة تأثيرها ودوامها،
لابد من مقنن يجريها .. ثم لإدامة حاكمية ذلك المقنن في الظاهر والباطن يحتاج إلى
امتياز وتفوق – مادة ومعنى – ويحتاج أيضا إلى دليل على قوة المناسبة بينه وبين
مالك الملك صاحب العالم .. ثم لتأسيس إطاعة الأوامر وتأمين اجتناب النواهي يحتاج
إلى إدامة تصور عظمة الصانع وصاحب الملك في الأذهان .. ثم لإدامة التصور ورسوخ
العقائد يحتاج إلى مذكر مكرر وعمل متجدد، وما المذكِّر المكِّرر إلا العبادة ...
وهذه العبادة توجه الأفكار إلى الصانع الحكيم، وهذا التوجه يؤسس الانقياد.
والانقياد هو للإيصال إلى النظام الأكمل والارتباط به. وهذا النظام الأكمل يتولد
من سر الحكمة يشهد عليها إتقان الصنع وعدم العبثية(36).
ويرى الإمام النورسي أن
السعي هـو الأسـاس، وإلا تتـــكدس ثروة الإنسان بيد الظالمين، ولا يكنزوها(37).واستشهد على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ
إِلَّا مَا سَعَى﴾ وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ
وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّٰه فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (التوبة:34).
دور الزكاة في عدالة توزيع
الثروات :
يرى الإمام النورسي أنه لا
يمكن العيش بسلام ووئام في مجتمع إلا بالمحافظة على التوازن القائم بين الخواص
والعوام، أي بين الأغنياء والفقراء .. والمدنية الحديثة عجزت عن تحقيق ذلك التوازن
العالم لاتسامها بالأنانية، تحت شعار "إن شبعت، فلا علي أن يموت غيري من
الجوع" .. أما الإسلام فقد فرض الزكاة ليداوي تلك الأنانية ويقتلعها من
جذورها(38).
إن أهمية الزكاة، لا تنحصر
في أشخاص وجماعات معينة فقط، بل إنها ركن مهم في بناء سعادة الحياة البشرية
ورفاهيتها، بل هي عمود أصيل تتوطد به إدامة الحياة الحقيقية للإنسانية. ذلك لأن في
البشرية طبقتين: الخواص والعوام. والزكاة تؤمن الرحمة والإحسان من الخواص تجاه
العوام، وتضمين الاحترام والطاعة من العوام تجاه الخواص .. وإلا ستنهال مطارق
الظلم والتسلط على هامات العوام من أولئك الخواص، وينبث الحقد والعصيان اللذان
يضرمان في أفئدة العوام، تجاه الأغنياء الموسرين. وتظل هاتان الطبقتان من الناس في
صراع معنوي مستديم، وتخوضان غمار معمعة الاختلافات المتناقضة، حتى يؤول الأمر
تدريجيا إلى الشروع في الاشتباك الفعلي، والمجابهة حول العمل ورأس المال كما حدث
في روسيا(39).
كيف تعالج الزكاة التفاوت
الرهيب في الحياة المعاشية في المدنية الحديثة؟
يقوم الإمام النورسي : إن
تغلب مساوئ المدنية على محاسنها، بث الفوضى في الأجانب وأرهق الحضارات وشيبها ..
وهذا أدى إلى أمرين :
الأول: فسح المجال للسفاهة،
وتلبية شهوات النفس، بعدم جعل الدين والفضيلة دستورا للمدنية.
الثاني: التباين الاجتماعي
الرهيب في الحياة المعاشية، الناشئ من فقدان التراحم الناجم من حب الشهوات ومجافاة
الدين.
نعم! إن هذا الإلحاد ومجافاة
الدين قد سبب فوضى في المدنية الأوروبية، وقلبها رأسا على عقب، بحيث ولّد كثيرا من
المنظمات الفوضوية وهيئات الإفساد والإضلال. فلو لم يُلجأ إلى حقيقة الشريعة
الغراء، ولم يتحصن بذلك الحبل المتين ولم يوضع سدٌّ تجاه هذه المنظمات الفوضوية
كسد ذي القرنين، فستدمر تلك المنظمات عالم مدنيتهم وتقضي عليها، كما يهددونها
حاليا.
ترى لو صارت الزكاة التي هي
مسألة واحدة من ألف من مسائل حقيقة الإسلام، دستور المدنية وأساس التعاون فيها،
ألا تكون دواء ناجعا وترياقا شافيا للتباين الفظيع في الحياة المعاشية، الذي هو
جحر الحيات والسم الزعاف والبلاء المدمر؟ بلى! سيكون الدواء الناجع الساري المفعول
أبدا(40).
مثال واقعي لدور الزكاة في
مواجهة الفقر: يبرهن الإمام النورسي بالدليل العملي على دور الزكاة في سد
الفوارق الرهيبة بين الأغنياء والفقراء فيقول : جئت إلى مدينة مباركة – قبل
تسع سنوات – كان الموسم شتاء فلم أتمكن من رؤية منابع الثروة وجوانب الإنتاج في
تلك المدينة، قال لي مُفتيها رحمه اللّٰه : إن أهالينا فقراء مساكين. أعاد قوله
هذا مرارا. أثّر في هذا القول تأثيرا بالغا مما أجاش عطفي ن فبت استرحم وأتألم
لأهالي تلك المدينة فيما يقرب من ست سنوات. وبعد ثماني سنوات عدت إليها وهي في
أجواء الصيف، وأجلت نظري في بساتينها ذكرت قول المفتي رحمه اللّٰه فقلت متعجبا
:سبحان اللّٰه! إن محاصيل هذه البساتين وغلاتها تفوق حاجة المدينة بأسرها كثيرا،
وكان حريا بأهاليها أن يكونوا أثرياء جدا! بقيت في حيرة من هذا الأمر .. ولكن
أدركت بحقيقة لم تخدعني عنها المظاهر، فهي حقيقة استرشد بها في إدراك الحقائق، وهي
: أن البركة قد رفعت من هذه المدينة بسبب الإسراف وعدم الاقتصاد. كما حدا بالمفتي
رحمه اللّٰه إلى القول : إن أهالينا فقراء ومساكين، برغم هذا القدر من منابع
الثروة وكنوز الموارد.
نعم، إنه ثابت بالتجربة
وبالرجوع إلى وقائع لا تحد بأن دفع الزكاة، والأخذ بالاقتصاد سببان للبركة
والاستزادة. بينما الإسراف ومنع الزكاة يرفعان البركة(41).
منع
الزكاة وراء الفقر والخصاصة الذي أصاب الأمة الإسلامية :
يشرح الإمام النورسي ذلك
بقوله :إن اللّٰه تعـالى قد فرض علينا فيما رزقنا من ماله العُشر(42) في قسم من الأموال، وواحدا من أربعين(43) في قسم آخر كي يجعلنا ننال ثواب أدعية
خالصة تنطلق من الفقراء، ويصرفنا عما تُوغر في صدورهم من الضغينة والحسد. غلا أننا
قبضنا أيدينا حرصا على المال فلم نؤد الزكاة. فاسترجع سبحانه وتعالى تلك الزكاة
المتراكمة علينا بنسبة ثلاثين من أربعين وبنسبة ثمانية من عشرة.
وطلب سبحانه منا أن نصوم
لأجله ونجوع في سبيله جوعا يتضمن من الفوائد والحكم ما يبلغ السبعين فائدة. طلبه
منا أن نقوم به في شهر واحد من كل سنة، فعزت علينا أنفسنا وأخذتنا الرأفة بها عن
غير حق، وأبينا أن نطيق جوعا ممتعا مؤقتا، فما كان منه سبحانه إلا مجازاتنا من صوم
وجوع له من المصائب ما يبلغ السبعين مصيبة، وأرغمنا عليه طوال خمس سنوات متتالية(44).
وكذا، طلب منا سبحانه نوعا
من تنفيذ الأوامر والتعليمات الربانية الطيبة المباركة السامية النورانية نؤديها
في ساعة واحدة من بين أربع وعشرين ساعة. فتقاعسنا عن أداء تلك الصلوات والأدعية
والأذكار، فأضعنا تلك الساعة الواحدة مع بقية الساعات. فكان منه أن كفر عنا سبحانه
بما بدا منا من سيئات وتقصيرات، وجعلنا نُرغَم على أداء نوع من العبادة والصلاة
بتلقين التعليمات والتدريب ومن كر وفي وعدو وإغارة وما إلى ذلك .. في غضون خمس
سنوات متتابعة(45).
الخاتمة
يعتبر هذا البحث هو خلاصة
الخلاصة مما جاشت به رسائل النور عن تحليل العدالة في الإسلام والحضارة الغربية
ولكن اقتصرنا في عرض هذه المقارنات على ما تسمح به ظروف البحث وشروطه.. داعين
اللّٰه أن تكون تلك بداية لبحوث أعمق وأوسع تعبر عن الدور العظيم الذي قام به
الإمام النورسي في كشف زيف البريق عن الحضارة الغربية، وكيف أنها تحمل في طياتها
سم زعاف ليقوض سعادة الشعوب وهناءتها ويثير أحقادها وضغائنها.
وفي ختام تلك الرحلة القصيرة
مع رسائل النور ندعوا اللّٰه من أعماق قلوبنا أن يجازي عنا إمامنا الجليل خير ما
جازى به العلماء المخلصين العاملين الجادين، وأن يجمعنا معه في مستقر رحمته مع
نبينا الأمين r، وصحابته المخلصين رضوان اللّٰه عليهم وكل
الأنبياء والصديقين والشهداء الذين قضوا نحبهم إخلاصًا لرب السماء..
واللّٰه من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل.
(10) لقد كانت
طلقة أطلقت على ولي عهد النمسا ، سببا في إشعال نار الحرب العالمية الأولى ، التي
ذهب ضحيتها ثلاثون مليون نسمة.
(11) ص247 من
الملاحق ص849 ، 850 من الكلمات ، ص862 من الكلمات ، ص604 ، 605 من المكتوبات ، ص76
،77 من المكتوبات.
(22) المكتوب
السادس عشر ص79 من المكتوبات وكذلك المبحث الثالث من المكتوب السادس والعشرين ص411:421
، وكذلك القسم السادس من المكتوب التاسع والعشرين ص541: 549. ملحق أمير داغ – 2
ص415 من الملاحق.
(34) جزء من حديث الشفاعة الطويل – والحديث بطوله
أخرجه البخاري برقم 3340 ، 3361 ، 4712 ، ومسلم برقم 194.
(43)
"وواحدا من أربعين" أي : من المال القديم (كالعروض والمواشي) الذي ينتج
اللّٰه منه في كل سنة على الأغلب عشرة بكرا جديدا. المؤلف